ثقافة التنمية و تنمية الثقافة في المجتمع الأمازيغي.
بقلم : وديع سكوكو .
“ المجتمع جسد و روحه الثقافة “
“ إذا كانت ثقافة شعب معين لا تساهم في تنميته فيجب أن تدفن إلى الأبد , إلا إذا كان ذلك الشعب لا يساهم في تنمية ثقافته فيجب أن يدفن هو كذلك إلى الأبد. “
تعد هذه المقولة مفتاحا لموضوعنا هذا , الذي سنتناول فيه مفهومين في غاية من الأهمية , في حياتنا المعاصرة عامة و في مجتمعنا الأمازيغي خاصة . وهما مفهوم الثقافة و التنمية , التي تدخل ضمن خانة إشكاليات المفاهيم أو أزمة المفاهيم في التعريف, لدى المثقفين و المفكرين الذين يتخدون من اللغة العربية وسيلة للتعبير عن أفكارهم , والذين يجدون مشاكل كبيرة على مستوى الترجمة - ترجمة المفهوم و المدارس أو الإتجاهات الفكرية التي تتناوله- , وتعتبرالثقافة و التنمية من بين المفاهيم المستعصية على التعريف , مثلها مثل مفهوم : الفلسفة , العقل , الحقيقة , السوسيولوجيا , الديموقراطية , الحداثة … إلخ, و هي ذات أهمية كبيرة داخل المجتمعات . ونقاشنا لهذا الموضوع سيبنى على مجموعة من النقط التي مفادها : تقديم تعريف للمفهومين , والمساهمة المزدوجة بينهما من خلال ثقافة التنمية و تنمية الثقافة .
تناولنا لهذا الموضوع الذي نحن بصدد لم يأتي من فراغ , و إنما من مجموعة من المعطيات التي يعرفها المجتمع الأمازيغي , في كل بقاع تمازغا و نخص بالذكر المجتمع المغربي , وذلك علة مستويات عدة السياسية منها و الإقتصادية و الإجتماعية و كذا الثقافية …
إذن فكما قلنا سالفا أن مفهوم الثقافة و مفهوم التنمية , يعد من المفاهيم الزئبقية التي لا يمكن الإمساك بها , في تعريف واحد و موحد , لكن مع ذلك سنحاول قدر الإمكان إعطاء تعريف ولو نسبي لهذه المفاهيم .
الثقافة :
لغة : فحسب المصدر اللغوي و المفهوم المتبادر إلى الذهن و المنتشر بين الناس , هي حالة الفرد العلمية الرفيعة المستوى , فإستخدام هذا المصطلح كمقابل لمصطلح كولتوغ في اللغات الأوربية تجعله يقابل حالة إجتماعية شعبية أكثر منها حالة فردية .
إذن فالثقافة أساسا هي الحدق و التمكن , و ثقف الرمح أي قومه و سواه , و يستعار بها للبشر , فيكون الشخص مهذبا و متعلما في العلوم و الفنون و الأدب . فهي كذلك إدراك الفرد و المجتمع للعلوم و المعرفة في شتى مجالات الحياة , فكلما زاد نشاط الفرد و مطالعته و إكتسابه الخبرة و المعرفة في الحياة , زاد معدل الوعي الثقافي لديه , و أصبح عنصرا بناءا في المجتمع .
هذا فيما يخص التعريف اللغوي لمفهوم الثقافة , أما بالنسبة للتعريف الإصطلاحي , فيمكن إعتباره إشكالا كبيرا , ذلك أن هيرسكوفيتس يؤكد على أنه يوجد حوالي 160 تعريف لهذه الكلمة . و هذا راجع إلى الإختلاف الحاصل بين علماء الأنتروبولوجيا و الفلاسفة و مؤرخي الأفكار, حول صياغة تعريف موحد للثقافة . مع ذلك سنقوم بإستصقاء بعض التعاريف لعلنا نستطيع التقرب من الإمساك بهذا المفهوم . فقد صاغ هيرسكوفيتس تعريفه الخاص على النحو التالي : الثقافة إنما هي كل ما أضافه الإنسان إلى الطبيعة و أنها كل ما يعارض الخام أي أنها كل ماهو إصطناعي و أنها ليست إلا مجرد إستجابة لما هو بيولوجي .كما يعرفها فرويد بقوله : الثقافة الإنسانية أقصد بها كل ما أمكن لحياة البشرية ان ترتفع عن طريقه فوق الشروط الحيوانية و أن تتتميز به عن البهائم , فهي من وجهة نظره (فرويد) ميزة إنسانية تتسم بالشمولية و لا تهتم بجزء واحد في حياة الإنسان , و إنما تغطي كل حاجياته , إنها أداة لتحويل الخام الطبيعي إلى إصطناعي و تحويل الحيوية الفردية إلى كائن إجتماعي . زيادة على ذلك هناك تعريف أخر يقول فيه إدوار تايلور : الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة و المعتقدات و الفن و الأخلاق و القانون والعرف , و أي قدرات أو عادات أخرى يكتسبها الإنسان بإعتباره عضوا في المجتمع . و نفس الشيء ذهب إليه رايب الذي إتفق تمام الإتفاق مع إدوار تايلور, لكنه أضاف إضافة صغيرة و هي : ذلك المركب الثقافي الذي ينقل من جيل إلى أخر عن طريق الأسرة . كما لا ننسى تعريفا أخر تجدر الإشارة إليه , و هو تعريف كلاس كيز الذي قال عن الثقافة أنها : هي كل ماهو موجود لدى المجتمع من تراكمات و تغيرات إجتماعية و خبرات و رموز … , و إعتبر الثقافة نوعان :
- ثقافة مادية : و هي كل ما أنتجه الإنسان , و ما يصنعه في حياته , من اللباس , العمران , أنواع الزنى , التغذية , عن طريق العمل البشري ( أي كل الأشياء الملموسة) .
- ثقافة غير مادية : و هي ذلك الكل الذي يشمل كل مظاهر الحياة و مظاهر السلوك , التي تتمثل في العادات و التقاليد و الأعراف و القيم و الأفكار و المعتقدات .( أي هي كل ما يمثل الحياة الإجتماعية للمجتمع ).
إذن فمن خلال إطلاعنا لهذه التعاريف و الإمعان فيها , يمكننا أن نرجح التعريف الذي ذهب إليه العالم الإنجليزي إدوار تايلور في كتابه الثقافة البدائية الصادر عام 1871,بأنه التعريف الأكثر تكاملا و دقة , و الذي جاء فيه كما سلف الذكر, أن الثقافة : هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة و المعتقدات و الفن و الأخلاق و القانون والعرف ,وأي قدرات أوعادات أخرى يكتسبها الإنسان بإعتباره عضوا في المجتمع, وهي تشمل الأشياء مثل الأدوات والفنون والتي يتوسل بها الإنسان حياته .
إذن هذا فيما يخص مفهوم الثقافة , أما بالنسبة لمفهوم التنمية , فلا يختلف عن غيره من المفاهيم المستعصية على التعريف . لكن سنحاول قدر الإمكان إعطاء تعريف لمفهوم التنمية ولو نسبيا .
التنمية :
يظل هذا المفهوم مرتبط دوما بالخلفية العلمية و الإستراتيجية النظرية , إقتصادية كانت أو سياسية أو إجتماعية أو ثقافية كذلك … وقد ظهر مفهوم التنمية عندما أطلقه رئيس الولايات المتحدة عام 1949م, بهدف إدماج الدول النامية بالاقتصاد العالمي بعد أن نالت استقلالها السياسي. وفي مقدمة الإعلان العالمي عن حق التنمية الذي اُعتمد ونشر في 4 كانون الأول/ 1986م, ظهر تعريف التنمية البشرية على أنها: عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم، النشطة والحرة والهادفة, في التنمية وفى التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها , إنها تنطوي في أبلغ صورها على إحداث نوع من التغيير في المجتمع الذي تتوجه إليه , وبالطبع فهذا التغيير من الممكن أن يكون ماديا يسعى إلى الرفع من المستوى الإقتصادي لذات المجتمع , و قد يكون معنويا ويستهدف تغيير إتجاهات الناس وميولهم , فالأمر يتعلق إذن بعمليات هادفة محدودة في الزمان و المكان تراهن على التغيير الإيجابي طبعا.
وبالمختصر فإن مفهوم التنمية يستند إلى الإنسان و المجتمع الذي يتواجد به, وذلك من كل النواحي: السياسية والاقتصادية والاجتماعية…
- التنمية عند أهل الإقتصاد : هي الزيادة السريعة في مستوى الإنتاج الإقتصادي , عبر الرفع من مؤشرات الناتج الداخلي العام .
- التنمية عند علماء الإجتماع : حيث يرون أنها تغيير إجتماعي يستهدف الممارسات و المواقف بشكل أساسي .
- التنمية عند أهل السياسة : ويصفونها أنها عملية تمدين , تتضمن إقامة المؤسسات الإجتماعية و السياسة… إلخ.
رغم كل هذه المعطيات فإنه لا يوجد تعريف موحد لمفهوم التنمية , وإنما الإختلاف هو السائد ,الذي سيدفع عنذئذ التنمية إلى إستدماج مفاهمي , تلح على أن التنمية هي كل متداخل ومنسجم , و هي






















